هدوء ما قبل العاصفة: دور مجموعات خالٍ من المخاطر
لسنا مستعدين بعد لتغيير رأينا بالكامل بشأن هذا النظام الجديد لكأس العالم؛ فدور المجموعات لم يكن أكثر من مقبول. ورغم المحاولات الرائعة لمنتخب الرأس الأخضر والظهور المخيب لمنتخب الأوروغواي، واللذين حملا على عاتقهما محاولة إضفاء بعض الإثارة على هذا الدور، إلا أن الحقيقة تظل واضحة. نعم، كان المستوى الفني العام أفضل مما كنا نخشاه، وقريباً مما يمكن توقعه بشكل معقول، لكن سقف توقعاتنا كان منخفضاً في الأصل. كما حُسمت العديد من المواقف المصيرية مبكراً وبشكل غير ضروري، نتيجة للقرار الغريب باعتماد المواجهات المباشرة كأول كسر للتعادل، مما أفرغ الجولة الأخيرة من حساباتها المثيرة.
وفي النهاية، عانى دور المجموعات من العيب الذي توقعناه جميعاً: غياب تام لشعور الخطر والتهديد. كانت الأوروغواي هي المفاجأة الوحيدة الحقيقية في رحلة سريعة شملت 72 مباراة - وهو عدد أكبر من مباريات بطولات كأس عالم كاملة سابقة - ولم تسفر سوى عن إقصاء ثلث المنتخبات فقط. تقريباً، كل المنتخبات الكبرى ضمنت التأهل أو اقتربت منه بشدة بعد مباراتين فقط. ستة من المنتخبات المقصاة غادرت دون أي نقطة، في حين لم تحصد تركيا نقاطاً إلا بعد تأكد خروجها. وفي كل المجموعات التي ضمت ثلاثة منتخبات جيدة فعلياً، تأهلت المنتخبات الثلاثة معاً. ولم يشذ عن الصدارة من المنتخبات المصنفة سوى البرتغال وكندا، وتأهل كندا كوصيف خلف سويسرا لم يكن بالمفاجأة الكبرى التي تهز أركان البطولة. لقد كان جهداً كبيراً ووصفة طويلة للوصول إلى نتائج متوقعة تماماً.
رصاصة الرحمة: كيف أنقذ دور الـ 32 هيبة المونديال؟
ولكن، الجائزة الآن تبدو ضخمة، والمكافأة التي حصلنا عليها جميعاً هائلة. هنا يجب أن نتوقف لنؤكد أن الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) لا يستحق أي إشادة على ذلك؛ فالأمر برمته ليس سوى نتيجة ثانوية غير مقصودة لقرار اتُّخذ بناءً على علامات الدولار التي تدور في رأس رئيس الفيفا جياني إنفانتينو. ومع ذلك، فإن إضافة دور الـ 32 ومضاعفة عدد مباريات خروج المغلوب الممتعة يبدو بالفعل فوزاً كبيراً للجميع، باستثناء ألمانيا وهولندا في هذه المرحلة.
من حالة انعدام الخطر، قفزنا مباشرة إلى قمة الخطر والإثارة، وهذا هو التأثير الذي نعشقه في كأس العالم. نعم، البطولة ما زالت ضخمة جداً، وشبكة الأمان المتمثلة في تأهل أفضل ثوالث واسعة النطاق، كما أن جدول مباريات خروج المغلوب غير المتكافئ يبدو أقل إرضاءً من النظام الكلاسيكي (متصدر يلعب ضد وصيف). ولكن، في هذا النظام، تحصل على جرعة مضاعفة من إثارة الأدوار الإقصائية مقابل ما تدفعه، وهي إثارة بدأت بالفعل في الاشتعال.
في النظام القديم المكون من 32 فريقاً والذي عشناه على مدار سبع نسخ مونديالية بين عامي 1998 و2022، كانت مباريات خروج المغلوب تمثل ربع إجمالي مباريات البطولة. أما هنا، فهي تمثل الثلث تقريباً. وهذا انتصار حقيقي. فبينما يظل دور المجموعات شراً لا بد منه في أي بطولة صيفية كبرى، فإن مباريات خروج المغلوب تكون أكثر قسوة، وبالتالي أكثر رعباً ومتعة. إنها حقيقة بديهية تتجاهلها بعض الرياضات أحياناً من أجل جني الأموال، لكن الخطر وسيناريوهات الموت المفاجئ هي ما يجعل الرياضة عظيمة وتمنح عواقب حقيقية للأفعال. والآن، أصبح لدينا الكثير من هذا النوع من الإثارة عالية المخاطر.
دراما الدقائق الأخيرة وركلات الترجيح المجنونة
حتى أكثر المباريات هدوءاً في افتتاح هذا الدور، والتي جمعت كندا وجنوب إفريقيا - وهي مباراة لا تؤثر كثيراً على صراع اللقب العالمي - انتهت بهدف قاتل في الوقت بدلاً من الضائع، لتضع اللبنة الأولى لدراما هذا الدور. وقد أصبح هذا هو المقياس الجديد لنتائج المباريات: إما كسر للقلوب أو تحليق بها في السماء. ثم جاءت البرازيل لتتخطى اليابان بهدف قاتل آخر في الوقت بدلاً من الضائع، قبل أن نشهد ركلتي ترجيح مجنونتين. ركلات الترجيح تلك كانت رائعة وجنونية بأفضل شكل ممكن، وشهدت الثانية منها تألق المغرب الذي حقق بطولة بطعم الإعجاز في الوقت بدلاً من الضائع ليجر مباراته ضد هولندا إلى وقت إضافي ثم ركلات الترجيح ليتأهل في النهاية.
بالتأكيد، لن نخدع أنفسنا بأن كل المباريات الإضافية في هذا الدور ستكون بهذه الدراما والتوتر والقرب، فستكون هناك مباريات تنتهي بنتائج عريضة ومحسومة مبكراً. ولكنها بداية مذهلة لدور الـ 32 في تاريخ كأس العالم. وأي فريق خسر في هذا الدور يملك كل الحق في الشكوى من سوء حظه وصعوبة مساره؛ هولندا فازت بمجموعة بالغة الصعوبة، والمغرب كان الفريق الوحيد الذي جمع 7 نقاط ولم يتصدر مجموعته، ليعاقب الاثنان بمواجهة نارية مبكرة. كلاهما كان قادراً على حسم اللقاء في الوقت الأصلي، والفائز منهما كان يعلم أنه أقرب لربع النهائي نظراً لمواجهة كندا المنتظرة في دور الـ 16.
| المباراة | النتيجة | طبيعة الحسم الإقصائي |
|---|---|---|
| كندا ضد جنوب إفريقيا | فوز كندا | هدف قاتل في الوقت بدلاً من الضائع |
| البرازيل ضد اليابان | فوز البرازيل | هدف قاتل في الوقت بدلاً من الضائع |
| المغرب ضد هولندا | تأهل المغرب | ركلات الترجيح بعد دراما الوقت القاتل |
زلزال في القارة العجوز: سقوط العمالقة وباب الأمل للمفاجآت
لا يمكننا أيضاً تجاهل الشعور بأن رمال كأس العالم بدأت تتحرك تحت أقدام القوى العظمى. ما زلنا في بداية هذا الدور الإقصائي المثير، ولكننا شهدنا بالفعل إقصاء عملاقين من عمالقة القارة الأوروبية (ألمانيا وهولندا). قد لا يتطلب الأمر الكثير لاستنتاج أن إقامة كأس العالم في أمريكا الشمالية قد تناسب منتخبات الأمريكتين وإفريقيا نظراً للظروف الجوية والمناخية، ولكن غياب أي فريق أوروبي عن التأهل إلى دور الـ 16 حتى الآن يظل لافتاً للانتباه في بداية دور الـ 32.
سيتغير هذا بالطبع، خاصة مع وجود ثلاث مواجهات أوروبية خالصة قادمة، ولكن كل ما رأيناه حتى الآن يمنح أملاً كبيراً لمنتخبات مثل السنغال، جمهورية الكونغو الديمقراطية، ساحل العاج، والجزائر، بأن دور الـ 32 هو مكان غريب ورائع حيث يبدو كل شيء ممكناً.

