ربما تكون هذه هي النافذة الأوضح لداخل عقل عبقري كرة القدم، ليس بالضرورة لمعرفة كيف يفكر في شؤون الحياة، بل كيف يدير الساحرة المستديرة داخل المستطيل الأخضر. في كلماته الموجزة القليلة التي أدلى بها ليونيل ميسي عن مواجهة إنجلترا والأرجنتين المرتقبة، تحدث وكأنها مجرد مباراة كبرى أخرى؛ هذا ليس مجرد تكتيك نفسي أو محاولة لامتصاص الضغوط، على غرار ما يفعله المدرب ليونيل سكالوني لتجنب الخوض في الجوانب السياسية المرتبطة بالتاريخ المشترك للبلدين. إنها ببساطة طريقة ميسي في رؤية كرة القدم.
ميسي يفصل نفسه عن الصعب العاطفي
في الوثائقي الشهير الذي أنتجته منصة "أمازون" عن دييجو سيميوني بعنوان "العيش مباراة بمباراة" (Living Match by Match)، ركزت إحدى الحلقات بالكامل على المباراة التاريخية في دور الـ16 لكأس العالم 1998 بين إنجلترا والأرجنتين. تحدث نجوم كبار مثل خافيير زانيتي وديفيد بيكهام عن المشاعر الجياشة والنيران المشتعلة في تلك الليلة، ولكن عندما جاء الدور على ميسي – الصديق المقرب لسيميوني – لم يقل الكثير، بل صرح ببساطة: "أتذكر جيداً كأس العالم 1998، لقد شاهدت المباريات كثيراً مع عائلتي، ثم خرجنا للعب كرة القدم في الشارع بعد انتهاء اللقاء".
هذا التصريح يلخص كل شيء؛ فهذا الحدث التاريخي المهيب لم يحرك في طفل لم يتجاوز الحادية عشرة من عمره سوى الرغبة في الخروج وركل الكرة. ميسي ببساطة يعشق اللعب، وهذا التجريد من الضغوط العاطفية هو مكمن الخطر الحقيقي على المنتخب الإنجليزي الذي يواجه اللاعب الأعظم في التاريخ للمرة الأولى على الصعيد الدولي. وكما يقول المقربون منه: "إنه يتعامل مع مباراة ضد سينسيناتي في ليلة أربعاء ممطرة بنفس الجدية التي يتعامل بها مع مواجهة البرازيل".
فرصة العمر لنجوم إنجلترا
من المفارقات الغريبة في تاريخ كرة القدم أن إنجلترا لم تواجه ميسي مطلقاً في مباراة دولية، وهي نتيجة لقرعات البطولات المتفاوتة وتوازنات السياسة الكروية الدولية. ورغم أن هذا الغياب قد يكون جنّب بعض المدافعين الإنجليز التعرض للإحراج الكروي، إلا أن نجوم "الأسود الثلاثة" الحاليين يرون في هذه المواجهة شرفاً كبيراً.
عبر نيكو أوريلي عن حماسه قائلاً: "إنها فرصة تأتي مرة واحدة في العمر، ولا يمكنني الانتظار لبدء هذا التحدي". في حين أبدى الحارس جوردان بيكفورد إعجابه الشديد قائلاً: "من الرائع أن أواجهه أخيراً بعد كل هذه السنوات من مشاهدته وتتبع مسيرته منذ كنت طفلاً". وقد يستلهم الإنجليز العزيمة من المدافع التاريخي أشلي كول، الذي يفتخر دائماً بأن ميسي لم يتمكن من هز شباك فريقه (تشيلسي) عندما كان مكلفاً بمراقبته.
الذكاء الكروي: كيف يعمل ميسي بنظام "الماتريكس"؟
رغم أن ميسي في سن التاسعة والثلاثين لم يعد يمتلك نفس السرعة والقدرة البدنية التي كان عليها في بداية عشرينياته أو حتى في مونديال قطر وهو في سن الخامسة والثلاثين، إلا أن عامل السن صقل ميزة فريدة لديه وهي "الذكاء الكروي الفائق".
يجمع معظم المدافعين الذين واجهوه على أن ذكاءه يشبه نظام فيلم "الماتريكس" (Matrix). يبدأ ميسي المباريات عادةً بالسير ببطء متجولاً في أرجاء الملعب دون أن يبدو عليه القيام بأي مجهود. في الحقيقة، هو لا يتكاسل، بل يقوم بعملية مسح شامل للملعب (Computing)؛ يرسم خريطة تكتيكية للمنافس، يراقب تحركات المدافعين، يحدد الثغرات، ويكتشف اللاعب الأضعف في الخط الخلفي الذي يمكن استهدافه.
السيناريو الفرعوني: درس قاسي من موقعة مصر
كان الفوز الصعب للأرجنتين على منتخب مصر بنتيجة 3-2 في ثمن النهائي تجسيداً مثالياً لكيفية إدارة ميسي للمباريات. طوال 73 دقيقة، بدا ميسي تائهاً وشبه غائب عن اللقاء، بل وأهدر ركلة جزاء بدت وكأنها تعكس قلة تركيزه. لكنه لم يكن مستسلماً، بل كان ينتظر اللحظة المناسبة تماماً للانقضاض.
وفي الدقيقة 73، تحرك ميسي نحو الجبهة اليسرى، واستلم الكرة وانطلق بسرعة خارقة متجاوزاً دفاع الفراعنة وكأنه في الثالثة والعشرين من عمره. ومن تلك المنطقة تحديداً، أرسل عرضية متقنة سجل منها كريستيان روميرو هدفاً، ثم عاد ميسي نفسه ليسجل هدف التعادل مغيرًا مسار المباراة بالكامل. هذا هو السبب الذي يجعل المدرب الألماني توماس توخيل يدرك أن فترات الهدوء الطويلة التي يقضيها ميسي في الملعب قد تكون الهدوء الذي يسبق العاصفة، حيث يمتلك قوة جاذبية قادرة على تغيير مجرى اللقاء بلمسة واحدة، وهو ما حذر منه المدرب البرتغالي جوزيه مورينيو سابقاً.
