تغيرت طبيعة التحدي بالنسبة لآرسنال. فبعد إنهاء انتظار دام 22 عاماً للتتويج بلقب الدوري الإنجليزي الممتاز، لم يعد يتعين على ميكل أرتيتا إثبات قدرته على الفوز بالبطولات الكبرى، فقد حقق ذلك بالفعل. السؤال الآن هو ما إذا كان بإمكانه بناء سلالة كروية مهيمنة.
عكست المشاهد المهيبة التي رافقت حافلة آرسنال المكشوفة في شمال لندن الكثير؛ حيث احتفلت مئات الآلاف من الجماهير بموسم استثنائي منح النادي لقبه الأول في الدوري منذ عام 2004. ومع ذلك، وقبل أقل من 24 ساعة فقط من تلك الاحتفالات، كان العديد من هؤلاء اللاعبين يعيشون لحظات مريرة وحزناً عميقاً بعد خسارة نهائي دوري أبطال أوروبا بصعوبة بالغة أمام باريس سان جيرمان.
هذا التناقض يلخص بدقة وضع آرسنال الحالي. لقد كان هذا الموسم بمثابة انتصار تاريخي، لكن الموسم المقبل سيكون بمثابة اختبار حقيقي للحفاظ على هذا النجاح واستدامته.
منصات التتويج ثمرة تخطيط لسنوات
الخبر السار لأرتيتا هو أن آرسنال ليس بالفريق الذي تسلق القمة فجأة أو بمحض الصدفة، بل كان يبني خطواته نحو هذه اللحظة منذ سنوات. فبعد ثلاثة مواسم متتالية في المركز الثاني، تُوج الفريق أخيراً باللقب. وتطور المشوار القاري من ربع النهائي إلى نصف النهائي، ثم إلى المباراة النهائية لدوري الأبطال. إن المنحنى التصاعدي للفريق لا يمكن إنكاره.
لكن الحفاظ على هذا المنحنى التصاعدي غالباً ما يكون أصعب من الوصول إليه. فالتاريخ مليء بالفرق التي وصلت إلى القمة مرة واحدة وفشلت في البقاء هناك، علماً بأن آرسنال لم يحقق لقب الدوري في موسمين متتاليين منذ ثلاثينيات القرن الماضي. وتتمثل مهمة أرتيتا الآن في ضمان تجنب الغانرز لهذا المصير.
التدعيم من موقع القوة: سد الثغرات الهجومية والدفاعية
تبدو الأولوية الأولى واضحة تماماً: التعزيز والتدعيم من موقع القوة. على الرغم من أن مشوار آرسنال نحو لقب البريميرليج ونهائي دوري أبطال أوروبا كشف عن نقاط ضعف قليلة جداً، إلا أن هذه الثغرات موجودة بالفعل. لا يزال الجناح الأيسر للهجوم منطقة تحتاج إلى تحسين؛ فرغم المساهمات المهمة لكل من غابرييل مارتينيلي ولياندرو تروسار، إلا أن أياً منهما لم يقدم باستمرار مستوى الأهداف والابتكار المطلوب من فريق يطمح للهيمنة محلياً وأوروبياً.
إذا كان آرسنال جاداً في منافسة نخبة الأندية الأوروبية عاماً بعد عام، فإن توفير عمق أكبر وتنوع هجومي غير متوقع سيكون أمراً ضرورياً. تحتاج أندية النخبة دائماً إلى ثلاثة مهاجمين من الطراز العالمي لمداورة المراكز بكفاءة.
الأمر نفسه ينطبق على بقية مراكز الفريق. فموسم شاق يتضمن 63 مباراة يفرض متطلبات بدنية وذهنية هائلة حتى على أقوى المجموعات، ويمكن للإصابات والإرهاق وتراكم المباريات أن تخرج القطار عن مساره. لقد أظهر أرتيتا بالفعل شجاعة وقسوة في تجديد دماء فريقه، وقد يحتاج إلى تكرار ذلك هذا الصيف. إن خلق منافسة إضافية في مراكز الأظهرة، وتعميق خيارات خط الوسط، وتوفير قوة هجومية أكبر، كلها عوامل ستساعد آرسنال على مواجهة تحديات القتال على جبهات متعددة.
العمق التكتيكي والقدرة المالية لمجاراة الكبار
لعل أكبر درس مستفاد من هذا الموسم هو أن كرة القدم الحديثة تتطلب عمقاً حقيقياً في التشكيلة بأكملها وليس مجرد 11 لاعباً أساسياً قوياً. إن فكرة الاعتماد على مهاجم واحد متميز أو مجموعة صغيرة من اللاعبين لخوض أربع بطولات أصبحت غير واقعية على الإطلاق. وتتميز أفضل الأندية في أوروبا بقدرتها على المداورة دون إضعاف الفريق بشكل ملموس، وهو الاتجاه الذي يجب أن يستمر آرسنال في المضي قدماً نحوه.
| المحور | الوضع الحالي والاحتياجات | العناصر الأساسية المعنية |
|---|---|---|
| الجناح الأيسر | الحاجة إلى الفعالية والابتكار التكتيكي وتوفير خيارات هجومية غير متوقعة | غابرييل مارتينيلي، لياندرو تروسار |
| عمق التشكيلة (الدكة) | إضافة مدافعين وظهير بديل، بدلاء في خط الوسط ومهاجم إضافي لمواجهة ضغط 63 مباراة | ديكلان رايس، مارتن أوديغارد، بوكايو ساكا |
| الجانب المالي | إيرادات قياسية تقترب من 700 مليون جنيه إسترليني تمنح مرونة كبيرة في الميركاتو | المدير الرياضي أندريا بيرتا، ميكل أرتيتا |
| العمود الفقري للمستقبل | تشكيلة شابة وموهوبة تكتسب الخبرة من خيبات الماضي وتتطلع للمستقبل | ساليبا، غابرييل، كالافيوري، تيمبر، لويس سكيلي |
وتشير التوقعات المالية إلى قدرة النادي على تحقيق ذلك؛ إذ من المتوقع أن تقترب إيرادات آرسنال من مستويات قياسية تتجاوز 700 مليون جنيه إسترليني بفضل التتويج بالدوري والمشوار الأوروبي الطويل. يمنح هذا التدفق المالي المدير الرياضي أندريا بيرتا وميكل أرتيتا مرونة كبيرة في سوق الانتقالات. لم يعد آرسنال يحاول اللحاق بالنخبة الأوروبية مالياً، بل أصبح يعمل جنباً إلى جنب معهم كقوة اقتصادية كبرى.
معركة ذهنية ضد التراخي: روح الشباب تتطلع للمستقبل
ومع ذلك، فإن الصفقات الجديدة وحدها لن ترسم ملامح الموسم المقبل. يجب على أرتيتا أيضاً الحذر من التراخي والرضا بالذات؛ فالجوع الكروي والرغبة العارمة التي نقلت آرسنال من منتصف الجدول إلى قمة كرة القدم الإنجليزية لا يمكن أن تختفي لمجرد تحقيق لقب واحد. لطالما كان أحد أكثر الجوانب إثارة للإعجاب في حقبة أرتيتا هو قدرته على إقناع اللاعبين بأن التطوير والتحسن المستمر هو أمر غير قابل للتفاوض، وهي العقلية التي يجب أن تستمر.
لحسن الحظ، يبدو أن غرفة ملابس الفريق تفهم حجم هذا التحدي جيداً. فقد تحدث ديكلان رايس بعد نهائي دوري أبطال أوروبا عن رغبته في العودة ورفع الكأس التي أخطأها الفريق بفارق ضئيل، كما حث القائد مارتن أوديغارد زملائه على استخدام مرارة هذه الخيبة كحافز للعودة بشكل أقوى. هذه التصريحات تعكس عقلية مجموعة تؤمن بأن أفضل أيامها لم تأتِ بعد.
هذا الإيمان يكتسب أهمية بالغة لأن تشكيلة آرسنال لا تزال شابة بشكل ملحوظ؛ حيث يشكل كل من ديكلان رايس، ومارتن أوديغارد، وبوكايو ساكا، وويليام ساليبا، وغابرييل، ومايلز لويس سكيلي، وريكاردو كالافيوري، ويوريان تيمبر العمود الفقري لفريق مرشح للتطور أكثر مع اكتساب الخبرة. وقد تكون ندوب نهائي بودابست في نهاية المطاف بنفس قيمة فرحة الفوز بالدوري الإنجليزي الممتاز.
قضى أرتيتا ست سنوات في إعادة بناء آرسنال من الصفر؛ حيث أعاد المعايير العالية، وغرس ثقافة الفوز، وقاد النادي للقب الدوري الأول له منذ أكثر من عقدين. المرحلة التالية ستكون أكثر صعوبة وتطلباً؛ فالفوز لمرة واحدة يعد إنجازاً كبيراً، لكن الفوز المتكرر مع المنافسة الشرسة على دوري أبطال أوروبا هو ما يفصل الفرق الرائعة عن الفرق التاريخية الخالدة. لقد وصل آرسنال إلى القمة، والآن يتعين على أرتيتا إثبات قدرته على البقاء هناك.

