دخلت بطولة كأس العالم 2026 مرحلتها الأكثر إثارة وتشويقاً مع انطلاق الأدوار الإقصائية (دور الـ 32)، حيث ارتفعت وتيرة التدريبات والتركيز لدى جميع المنتخبات المتأهلة. فلم يعد هناك مجال للتعويض أو حسابات النقاط؛ إنها مرحلة "خروج المغلوب" التي تضفي طابعاً خاصاً من الندية والإثارة.
ولعل خير تعبير عن هذه الأجواء ما صرح به المدافع الهولندي يان باول فان هيك قبيل الموقعة المرتقبة لمنتخب بلاده ضد المغرب في دور الـ 32، حيث قال: "لقد بدأت المعركة الآن، وحان وقت المباريات الكبرى".
كأس عالم استثنائية بنظام خروج المغلوب الحقيقي
رغم توسيع رقعة المشاركة في هذه النسخة التاريخية، فإن تصفية المنتخبات للوصول إلى 32 فريقاً في الأدوار الإقصائية أعادت للبطولة رونقها الكلاسيكي المفضل لدى عشاق كرة القدم. في هذه المرحلة، غابت شبكات الأمان وفرص التعويض، ليصبح كل لقاء بمثابة مواجهة حياة أو موت كروي، مما يضمن للجماهير جرعة مضاعفة من المتعة والإثارة الحقيقية.
مواجهات نارية متكافئة خارج التوقعات
بالنظر إلى جدول مباريات دور الـ 32، نجد أننا أمام مواجهات كبرى مبكرة تفوق في قيمتها الفنية أدوارها الحالية. فلقاء البرازيل واليابان يحمل طابع ربع النهائي، بينما تعد مواجهة هولندا والمغرب بمثابة نهائي مبكر أو نصف نهائي من العيار الثقيل. وتتميز هذه النسخة بغياب الفوارق الشاسعة بين المنتخبات، مما يجعل التنبؤ بهوية المتأهلين أمراً في غاية الصعوبة.
صراع الهدافين ومطاردة الأرقام القياسية
تميزت هذه النسخة من المونديال ببروز الفرديات وتألق النجوم الكبار منذ اللحظات الأولى، حيث شهد دور المجموعات غزارة تهديفية غير مسبوقة بمعدل بلغ 2.99 هدفاً في المباراة الواحدة، وهو المعدل الأعلى منذ نسخة 1958. وقد نجح خمسة لاعبين من العيار الثقيل في فرض سيطرتهم على لائحة الهدافين في دور المجموعات.
| اللاعب | المنتخب | عدد الأهداف في دور المجموعات |
|---|---|---|
| ليونيل ميسي | الأرجنتين | 6 أهداف |
| كيليان مبابي | فرنسا | 4 أهداف |
| إيرلينغ هالاند | النرويج | 4 أهداف |
| فينيسيوس جونيور | البرازيل | 4 أهداف |
| عثمان ديمبيلي | فرنسا | 4 أهداف |
يتصدر الأسطورة ليونيل ميسي السباق بـ 6 أهداف، مقترباً من الأرقام التاريخية التي حسمت الحذاء الذهبي في العديد من النسخ السابقة، بل وربما يضع نصب عينيه الرقم القياسي التاريخي للفرنسي جاست فونتين (13 هدفاً في بطولة واحدة عام 1958) إذا واصل التوهج في الأدوار الإقصائية.
كواليس تنظيمية وتحديات لوجستية
على الجانب الآخر، لم تخلُ البطولة من بعض المنغصات والجدل خارج المستطيل الأخضر. فرغم محاولات رئيس الفيفا جياني إنفانتينو الترويج للبطولة إعلامياً، واجه التنظيم انتقادات حادة تتعلق بأسعار التذاكر الباهظة، والصعوبات اللوجستية التي واجهت الجماهير التي تنقلت بدون سيارات في المدن الأمريكية المصممة أساساً للمركبات.
كما شنت بعض الأطراف، وعلى رأسها النجم الإيراني مهدي طارمي، هجوماً لاذعاً على الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) متهمة إياه باستغلال المنتخبات إعلامياً ودعائياً دون مراعاة النزاهة الرياضية أو تقديم الدعم اللوجستي الكافي، واصفاً ما حدث بـ "الكارثة" التنظيمية.
الملامح التكتيكية وعودة الهوية الوطنية
تكتيكياً، تشهد هذه البطولة تحولات مثيرة؛ حيث يبدو أن الأسلوب التموضعي الصارم المستوحى من أفكار بيب غوارديولا يواجه تحديات حقيقية على المستوى الدولي (مثل فشل الأرجنتيني مارسيلو بيلسا في فرض أسلوبه مع أوروغواي). وفي المقابل، نرى عودة تدريجية للأساليب الوطنية المميزة لكل منتخب، مع الاعتماد المتزايد على الكرات الطولية في المساحات واستخدام المهاجم الوهمي كصانع ألعاب متقدم.
