من لاعب مغضوب عليه إلى ركيزة أساسية لا غنى عنها
لطالما كان من الصعب على المتابع المحايد أن يتعاطف بشكل كامل مع أدريان رابيو؛ فاللاعب الفرنسي لطالما غطت على قدراته الفنية الكبيرة داخل المستطيل الأخضر سلوكيات مثيرة للجدل خارج الملعب، وتاريخ من الصدام المستمر مع المدربين، الأندية، والزملاء على حد سواء. ولكن اليوم، وإذا ما أراد المنتخب الفرنسي الوصول إلى نهائي كأس العالم للمرة الثالثة على التوالي واستعادة الكأس الغالية، فإن ديدييه ديشامب يحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى لاعب وسطه المشاكس ليواصل طريقه الطويل في إثبات خطأ المشككين.
لقد قطع رابيو رحلة طويلة ومعقدة منذ ثماني سنوات، وتحديداً عندما أرسل بريداً إلكترونياً شهيراً إلى ديشامب يعلن فيه رفضه التواجد في قائمة الانتظار لمونديال روسيا 2018، البطولة التي شق فيها «الديوك» طريقهم بنجاح نحو الذهب بدون رابيو. ولم تمر فترة قصيرة حتى وجد نفسه مطروداً من نادي باريس سان جيرمان عقب أزمة عاصفة تصدرت مشهدها والدته ووكيلة أعماله، فيرونيك.
التحول في يوفنتوس وإشادة أندريا بيرلو
بدأت نقطة التحول الحقيقية في مسيرة رابيو عندما انتقل إلى صفوف يوفنتوس الإيطالي، هناك حيث نضج تكتيكياً وفنياً بشكل ملحوظ، مما دفع الأسطورة أندريا بيرلو، الذي أشرف على تدريبه لفترة في صفوف «السيدة العجوز»، لوصفه بأنه «لاعب وسط متكامل» يجمع بكفاءة نادرة بين القوة البدنية والجوانب الفنية والتقنية. وهي بلا شك شهادة رفيعة من أحد أعظم صناع اللعب في تاريخ كرة القدم.
تدريجياً، نجح رابيو في شق طريقه مجدداً إلى صفوف المنتخب الفرنسي، وبحلول مونديال قطر 2022، أصبح قطعة رئيسية لا غنى عنها في التشكيلة الأساسية، رغم غيابه المؤسف عن مباراة نصف النهائي أمام المغرب بسبب المرض. واليوم، يبدو رابيو واحداً من أهم رجالات ديشامب المخلصين على أرض الملعب، فهو يقوم بالعمل الدفاعي الشاق والمنهك بكل هدوء وانضباط.
دعم مطلق من كيليان مبابي والتزام من خلف الكواليس
رغم صراعات رابيو السابقة - والتي كان آخرها شجاره داخل غرف ملابس مارسيليا مع زميله السابق جوناثان رو، مما أدى لرحيل اللاعبين العام الماضي - إلا أنه يحظى بتقدير كبير من زملائه الحاليين في المنتخب. وعنه قال النجم كيليان مبابي قبيل انطلاق البطولة: «إنه رجل يتمتع بمرونة وقدرة تحمل لا تصدق. لا يهم ما يقال عنه أو ما يواجهه، رابيو حاضر دائماً. لقد واجه عواصف هوجاء طوال مسيرته، وسيرته الذاتية تتحدث عن نفسها».
ورغم أن سيرة رابيو الذاتية تفتقر حتى الآن للقب كأس العالم، إلا أن مبابي يدرك جيداً أن تحقيق لقبه المونديالي الثاني سيتطلب الاعتماد بشكل مكثف على هذا الحضور الهادئ وغير الاستعراضي الذي يؤمن خطوط الفريق الخلفية. ومع أن مواجهة العراق المنتظرة في فيلادلفيا قد لا تتطلب أقصى الطاقات، إلا أن الاختبارات الحقيقية ابتداءً من مواجهة النرويج النارية في ختام دور المجموعات ستثبت أن قوة فرنسا تكمن في تماسك المجموعة وليس فقط في رباعي الهجوم الفتاك.
صناعة التوازن خلف «الفوضى الهجومية»
رغم الانتقادات المستمرة لفلسفة ديشامب الفنية، إلا أن المدرب الفرنسي يضع دائماً «التوازن» كركيزة أساسية لخططه. وفي ظل الالتزام الهجومي المكثف والفاخر لفرنسا، يقع العبء الأكبر على عاتق الثنائي أدريان رابيو وأوريليان تشواميني لفرض السيطرة واستعادة التوازن خلف الخطوط الأمامية.
وقد علّق رابيو على هذا الدور قائلاً: «نحن بحاجة للحفاظ على هذا التوازن برفقة أوريليان. لا يفرض علينا المدرب قيوداً صارمة، ولكن في هذا الرسم التكتيكي، يتوجب علينا القيام بالتعديلات والتحركات المناسبة لتأمين الدفاع بينما يقوم رباعي الهجوم بصناعة الفارق».
المؤشرات الأولى تؤكد نجاح هذه المعادلة؛ حيث قدم رابيو تمريرة حاسمة مذهلة لبرادلي باركولا سجل منها الهدف الثاني لفرنسا أمام السنغال (3-1) في مستهل المشوار، وهي واحدة من أجمل التمريرات الحاسمة في البطولة حتى الآن. إلى جانب التمريرة المبدعة، قام رابيو بعمل دفاعي هائل وغير مرئي لإحباط الهجمات المرتدة لمنتخب السنغال الذي يمتلك سرعات فائقة.
الأناقة والجهد الوافر في خدمة الديوك
يمتلك رابيو أناقة لافتة في أسلوب لعبه غالباً ما يتم التغاضي عنها بسبب تصنيفه كلاعب مجهود بدني فقط؛ وهو سوء فهم عززه مشاركته الملعب مع بعض من أكثر المهاجمين إثارة للمتعة في العالم. وفي منتخب يضم مهاجماً عبقرياً (مثل مبابي) تعرض لبعض الانتقادات بسبب قلة مجهوده الدفاعي عندما لا تكون الكرة بحوزته، يصبح من الضروري أن يلتزم بقية أفراد الفريق بتعويض هذا النقص. ويعلم ديشامب تماماً أن رابيو هو الرجل الذي يمكنه الوثوق به لمواصلة الركض، القتال، والعمل من أجل المجموعة، حتى وإن كان تواجده في التشكيلة محلاً للنقاش الدائم.
