لم يكن يساور أحداً الشك في أن وصول النجم البولندي روبرت ليفاندوفسكي إلى صفوف شيكاغو فاير سيعني تسجيل الأهداف، بالنظر إلى تاريخه كأحد أعظم المهاجمين في جيله. وبفعل المؤشرات الأولى، أثبت نجم برشلونة السابق نجاحه الفوري بتسجيل 6 أهداف وتمرير حاسمتين في أول 10 مشاركات له بالدوري الأمريكي للمحترفين (MLS)، بالإضافة إلى هدف في ربع نهائي كأس الدوريات منذ انضمامه في يوليو الماضي.
لكن لغة الأرقام لا تعكس سوى جزء يسير من التأثير الهائل الذي أحدثته الأسطورة البولندية داخل أروقة النادي، وقدرته على الدفع بفريقه نحو مصاف أندية النخبة في الدوري الأمريكي، وهو الاختبار الذي يتواصل بمواجهة نادشيل رائد جدول ترتيب "سوبورترز شيلد".
جهد إضافي وعقلية احترافية استثنائية
أكد المدير الفني لقطاع الكرة بوب غريغ بيرهالتر أن العمل اليومي مع ليفاندوفسكي يوضح جلياً سبب استمراره في القمة لسنوات طويلة. وقال بيرهالتر: "بعد يومين من التدريبات الشاقة، طلب روبرت مدرباً خصيصاً لخوض حصة إنهاء هجمات منفردة لمدة 45 دقيقة إضافية، تضمنت الجري والسبرينت والحركة، ولم تكن مجرد الوقوف أمام المرمى للتسديد".
هذا الانضباط ترك انطباعاً عميقاً لدى اللاعبين الشباب مثل دايفيد بوريبا، الذي نشأ في شيكاغو من أصول بولندية وكان يقتدي بليفاندوفسكي منذ طفولته. وصرح بوريبا لموقع MLSsoccer: "أن تقوم بجهد إضافي لـ 45 دقيقة بعد حصة تدريبية قاسية، فهذا يتحدث عن نفسه. هذا الرجل آلة حقيقية، وهو متواجد دائماً في الصالة الرياضية قبل الجميع لعمل جلسات الوقاية من الإصابات، ناهيك عن نظامه الغذائي الدقيق 100%. التواجد معه فتح عيني على مفهوم النجاح الحقيقي".
قاهر العمر وتحدي التاريخ
على غرار الأسطورة ليونيل ميسي (39 عاماً)، الذي اكتفى فريقه إنتر ميامي بالتعادل 1-1 أمام شيكاغو فاير أمام حضور جماهيري قياسي بلغ 63,094 متفرجاً في ملعب "سولدجر فيلد"، جعل ليفاندوفسكي من عامل السن مجرد هامش لا يؤثر على عطائه الكروي.
يعود هذا الإصرار إلى بداياته عندما استغنى عنه نادي مسقط رأسه ليغيا وارسو في مرحلة الشباب بداعي شكوك حول قدرته على الصمود بسبب إصابة في الكاحل، ليحول البولندي هذا الاستبعاد إلى وقود يقوده للـتألق مع بروسيا دورتموند، ثم بايرن ميونخ، وأخيراً برشلونة. وخلال مسيرته، خاض ليفاندوفسكي أكثر من 40,000 دقيقة في أعلى مستويات الكرة الأوروبية، بمعدل هدف تقريباً في كل مباراة عبر أكثر من 800 مشاركة رسمية للنادي والمنتخب، حاصداً عشرات الألقاب الفردية والجماعية.
دقة التفاصيل وعادات صحية صارمة
أوضح الجناح الدنماركي فيليب زينكرناجل، الزميل الجديد لليفاندوفسكي، أن احترام النجم البولندي يتضاعف يومياً عند رؤية تفاصيل عمله الشاق: "رغم بلوغه 38 عاماً، إلا أنه يعمل بقوة هائلة. يدخل يومياً إلى غرف العلاج بالتبريد (Cryotherapy) وحمامات الثلج والساونا، ويهتم بأصغر التفاصيل. إنه شخص عالي الطموح ولا يرضى بغير الفوز".
ويعود الفضل في نظامه الغذائي الصارم إلى زوجته آنا، بطلة الكاراتيه السابقة وأخصائية التغذية الحالية. حيث قطع ليفاندوفسكي الغلوتين واللاكتوز ودقيق القمح منذ عشرينياته بعدما لاحظ تأثيرها على مستويات الطاقة والاستشفاء. كما تصدر عناوين الأخبار قبل سنوات بعد كشفه عن اتباع أسلوب "الPass-Back" في تناول الطعام، حيث يبدأ الوجبة بالحلوى أولاً لتحسين عملية الهضم.
رفع المعايير وإلهام المستقبل
في الوقت الذي يستقر فيه ليفاندوفسكي وزوجته وابنتاه في بيئتهم الجديدة، يتفق الجميع على أنه يضطلع بمسؤولياته كاملة كلاعب قائد وموجه. ويساعده في ذلك إتقانه لعدة لغات مثل الإنجليزية والألمانية والإسبانية السلسة، إلى جانب البولندية.
وعلق بيرهالتر وختم قائلاً: "احترافيته وطريقة استشفائه وتدريبه، كل شيء يفعله له سبب محدد. عندما يرى اللاعبون الشباب نجماً بهذه القامة يتبع هذه الأدبيات، يقولون لأنفسهم: إذا كان هو يفعل ذلك، فربما ينبغي علينا الاقتداء به. إن وجوده يرفع السقف أمام الجميع".

