يمكن تقسيم مسيرة الأسطورة الأرجنتيني ليونيل ميسي بوضوح إلى جزأين متمايزين؛ الأول كان يدور بالكامل حول مجده مع الأندية وتحديداً برشلونة، بينما يمثل الجزء الثاني ملحمة وطنية خالدة أعادت كتابة التاريخ مع منتخب 'التانغو'.
حقبة برشلونة: مجد الأندية والانكسار الدولي
في الحقبة الأولى من مسيرته، حقق ميسي كل شيء ممكن مع النادي الكتالوني؛ أربعة ألقاب في دوري أبطال أوروبا، وتحطيم كافة الأرقام القياسية الممكنة، والظفر بست كرات ذهبية، مقدماً مستويات كروية قد لا تتكرر في تاريخ اللعبة. ورغم شغفه وحبه الكبير لقميص الأرجنتين، إلا أن إخفاقاته المتكررة مع المنتخب شكلت تباينًا صارخًا مع نجاحاته المبهرة في إسبانيا.
عاش البرغوث كوابيس دولية متتالية؛ بداية من صدمة هدف ماريو غوتزه في نهائي كأس العالم 2014، ومروراً بالخسارة المؤلمة في نهائيين متتاليين لكوبا أمريكا بركلات الترجيح أمام تشيلي، وصولاً إلى إعلان اعتزاله الدولي متأثراً بالدموع قبل التراجع عنه سريعاً. ولم تتوقف المعاناة عند هذا الحد، بل ظهر ميسي وهو يعاني ذهنياً ونفسياً قبل خروج الأرجنتين الكارثي أمام كرواتيا في مونديال روسيا 2018 تحت قيادة المدرب خورخي سامباولي.
نقطة التحول: ولادة قائد التانغو الجديد
في الوقت الذي اعتقد فيه الكثيرون أن ميسي لن يتذوق طعم المجد الدولي أبداً، حدث تحول جذري. بدأ جيل جديد في التبلور، وتولى ميسي دور القائد والملهم بكل ما تحمله الكلمة من معنى. ورغم الخسارة أمام البرازيل في نصف نهائي كوبا أمريكا 2019، إلا أن هذا الفريق الجديد حمل ملامح بطل واعد.
عقب تلك البطولة، قال ميسي بلهجة حملت الكثير من الأمل: 'لا أعرف كيف سيكون المستقبل، لكني شعرت بارتياح كبير مع هذه المجموعة. إذا كان علي تقديم المساعدة بأي طريقة، سأفعل. إنها مجموعة رائعة، وسأستمر لدعمهم بكل تأكيد'. وكان هذا التصريح بمثابة نقطة الانطلاق للمرحلة الثانية من مسيرته الدولية.
الثأر والسيطرة على العرش العالمي
نجح رفاق ميسي في أخذ الثأر من البرازيل بهزيمتهم في عقر دارهم بملعب 'ماراكانا' الشهير بنتيجة 1-0 في نهائي كوبا أمريكا 2021، لتنفتح أبواب المجد على مصراعيها. وجاءت لحظة التتويج الأكبر بالفوز بلقب كأس العالم 2022 في قطر، تلتها مواجهة تاريخية سحقوا فيها إيطاليا بطلة أوروبا في نهائي الفيناليسيما، ثم حصدوا لقب كوبا أمريكا آخر.
ذكاء تكتيكي وخطة استراتيجية لمونديال 2026
النجاح الدولي الباهر لم يكن وليد الصدفة، بل جاء بتخطيط ذكي للغاية. كشف كاتب سيرة ميسي، غيم بالاغ، أن النجم الأرجنتيني كان يتلقى دروساً في اللغة الإنجليزية وأجرى محادثة استمرت لأربع ساعات مع بيب غوارديولا لبحث إمكانية الانتقال إلى مانشستر سيتي، لكنه اختار في النهاية التوقيع لباريس سان جيرمان الفرنسي. وكان هذا القرار مدفوعاً برغبته في تجنب الضغط البدني الشرس للدوري الإنجليزي والوصول إلى مونديال قطر في قمة جاهزيته البدنية.
اليوم، يبدو أن التاريخ يعيد نفسه تمهيداً لمونديال 2026. بعد ثلاث سنوات قضاها في التأقلم مع الأجواء الأمريكية ورفع لقب كوبا أمريكا على أراضي الولايات المتحدة مع إنتر ميامي، يستعد ميسي للبطولة القادمة بذكاء. فبينما سيصل نجوم العالم إلى المونديال وهم منهكون بعد موسم أوروبي شاق وطويل، سيصل ميسي في منتصف موسمه الكروي بالولايات المتحدة، تماماً كما حدث في قطر 2022.
أرقام مذهلة تؤكد الجاهزية
على الرغم من اقترابه من سن الـ39، يثبت البرغوث الأرجنتيني أنه في أفضل حالاته الفنية والبدنية. وفيما يلي جدول يوضح أرقامه الاستثنائية الأخيرة مع إنتر ميامي:
| المؤشر الإحصائي | القيمة الإحصائية |
|---|---|
| المساهمات التهديفية في آخر 9 مباريات | 12 مساهمة (7 أهداف + 5 تمريرات حاسمة) |
| المساهمة المتتالية (تسجيل أو صناعة) | آخر 4 مباريات متتالية |
| الوضع البدني الحالي | جاهزية بدنية وذهنية متكاملة |
وقد علّق أحد المحللين على التمريرة الحاسمة الأخيرة لميسي مع إنتر ميامي قائلاً: 'على بقية العالم الحذر؛ فرغم محاولاته إظهار عدم الاكتراث بمونديال 2026، فإن مراقبة أدائه في الأسابيع الأخيرة تؤكد أنه مستعد تماماً للدفاع عن لقبه العالمي'. ولا يمكن بأي حال من الأحوال اعتبار هذا المديح مبالغة أمريكية، فكلما لمست الكرة قدمي ميسي، تعود بنا الذاكرة فوراً إلى توهجه الأسطوري في أعوام 2009 و2015 و2022، لنكون على موعد مع سحر خاص يحضره لنا الأسطورة للدفاع عن عرش المونديال.

