كان من المفترض أن تأتي الضربة الوداعية الأخيرة للنجم المصري محمد صلاح بقدمه اليسرى السحرية على أرض الملعب، وليس عبر حسابه الشخصي على منصة "إكس" (تويتر سابقاً). فرغم أن انتقاد الأسطورة الراحل عن صفوف الريدز للهزيمة المذلة التي تجرعها ليفربول أمام أستون فيلا يوم الجمعة، ولالموسم الذي يزداد إحباطاً يوماً بعد يوم، قد يبدو في ظاهره نابعاً من حسن نية وحرص على الكيان، إلا أنه لا يمكن إغفاله كخطوة تخدم مصالحه الشخصية في المقام الأول. ورغم أن جزءاً كبيراً من تحليل صلاح كان يلامس الحقيقة، فإن توقيت وطريقة إعلانه بدت كأنها هجوم مباشر وممنهج على المدير الفني الحالي أرني سلوت.
وما يعزز هذا الانطباع هو استخدام النجم المصري لبعض العبارات التي ارتبطت تاريخياً بالمدرب الألماني السابق يورغن كلوب، حيث كتب صلاح: "لقد عاصرت هذا النادي وهو يتحول من مشككين إلى مؤمنين، ومن مؤمنين إلى أبطال. لقد تطلب الأمر عملاً شاقاً وبذلت دائماً كل ما في وسعي لمساعدة النادي على الوصول إلى هناك، ولا شيء يجعلني أكثر فخراً من ذلك". وأضاف: "إن انهيارنا وتلقينا هزيمة أخرى هذا الموسم كان أمراً مؤلماً للغاية، وهو ما لا يستحقه جماهيرنا. أريد أن أرى ليفربول يعود مجدداً كفريق هجومي صاخب (هيفي ميتال) تخشاه الخصوم، وأن يعود لمنصات التتويج. هذه هي كرة القدم التي أعرف كيف ألعبها، وهذه هي الهوية التي يجب استعادتها والحفاظ عليها للأبد، فهي أمر غير قابل للتفاوض وعلى كل من ينضم لهذا النادي التكيف معه. الفوز ببعض المباريات هنا وهناك ليس ما يجب أن يكون عليه ليفربول، فجميع الفرق تفوز بالمباريات".
انقسام داخل غرف الملابس وتراجع الأرقام
تتعدد الخيوط التي يمكن تفكيكها في هذه الأزمة، لعل أبرزها إعجاب الثنائي كيرتيس جونز، الذي يحيط الغموض بمستقبله، ودومينيك سوبوسلاي، الصديق المقرب لصلاح وأفضل لاعبي الريدز هذا الموسم، بمنشور النجم المصري. يتحدث صلاح هنا بسلطة وهيبة أحد أعظم اللاعبين في تاريخ ليفربول والركيزة الأساسية للفريق المتوج بدوري أبطال أوروبا، لكن لا يمكن إغفال أن المعايير قد تراجعت هذا الموسم بشكل عام، بما في ذلك مستواه الفردي؛ فبعد أن سجل 29 هدفاً في الدوري العام الماضي، لم ينجح في إحراز سوى 7 أهداف فقط هذا الموسم.
ويوضح الجدول التالي التراجع الواضح في الإنتاجية الهجومية لمحمد صلاح ووضعية الفريق الإجمالية مقارنة بالموسم الماضي:
| الموسم | أهداف صلاح في الدوري | الوضعية العامة للفريق |
|---|---|---|
| الموسم الماضي (2024-2025) | 29 هدفاً | منافسة شرسة على اللقب وحضور قوي في دوري الأبطال |
| الموسم الحالي (2025-2026) | 7 أهداف | الابتعاد بـ 20 نقطة عن الصدارة وتراجع تكتيكي واضح |
أزمة هوية تكتيكية وصراع الأساليب
اشتهرت كرة القدم التي قدمها يورغن كلوب بكونها سريعة، صاخبة وجنونية، ورغم أن ليفربول بدأ بالتحول نحو أسلوب أكثر تروياً وتوازناً قبل نهاية حقبة المدرب الألماني، إلا أن الإيقاع ازداد بطئاً بشكل ملحوظ تحت قيادة الهولندي أرني سلوت. في أوج عطائه، كان صلاح يجسد القوة والاندفاع والضغط المتواصل لكتيبة كلوب، ورغم أن أسلوب سلوت الهادئ أثبت نجاحه في الموسم الماضي، إلا أن غياب الحماس والسرعة والروح القتالية بدأ يثير غضب واستياء الجماهير مع غياب النتائج الإيجابية؛ حيث ركضت فرق الخصوم لمسافات أطول من لاعبي ليفربول في غالبية مباريات الدوري هذا الموسم.
يمكن إرجاع هذا البطء إما إلى الفلسفة التكتيكية التي يعتمدها سلوت، أو لعنة الإصابات التي أرهقت العناصر الأساسية وتسببت في استنزاف طاقتهم. ومع ذلك، لا يمكن إخفاء حقيقة أن القوة البدنية لصلاح نفسه قد تراجعت؛ فعندما استُبعد من التشكيلة الأساسية في نوفمبر الماضي، كان السبب المباشر هو تراجعه في أداء الواجبات الدفاعية والركض للخلف، مما جعل الجبهة اليمنى لليفربول ثغرة واضحة استقبل منها الفريق العديد من الأهداف. ومع غياب تكتيك الضغط العكسي (Gegenpressing) الذي كان يميز حقبة كلوب، ودون وجود أسلوب بديل وواضح، يعيش ليفربول حالياً أزمة هوية حقيقية جعلت شباكه تستقبل 52 هدفاً في الدوري هذا الموسم.
نهاية حقبة وحوش العقلية وضغوطات الرحيل
لم تكن مباراة أستون فيلا المرة الأولى التي ينهار فيها ليفربول؛ فالكتيبة التي أطلق عليها كلوب يوماً ما لقب "وحوش العقلية" لم يعد لها وجود على أرض الواقع. وإلى جانب الضعف البدني الواضح، يبدو الفريق هشاً للغاية من الناحية الذهنية، وهو ما يفسر السجل الكارثي للريدز خارج ملعبهم هذا الموسم؛ حيث تلقوا هزائم أكثر مما حققوا من انتصارات بعيداً عن أنفيلد، واستقبلت شباكهم أهدافاً أكثر مما سجلوا، مع الحصول على نقطة وحيدة يتيمة من مواجهاتهم مع الأندية التسعة الأولى في الترتيب.
فاز صلاح بكل شيء تقريباً مع ليفربول، بما في ذلك دوري أبطال أوروبا، ولقبين للدوري الإنجليزي الممتاز، ولقبين لكأس الاتحاد الإنجليزي، وكأس الرابطة. لكن الأهم من ذلك هو أن ليفربول تحت قيادة كلوب كان حاضراً بقوة في المنافسة؛ حيث وصل إلى نهائي دوري الأبطال مرتين، وحل وصيفاً في الدوري الممتاز مرتين برصيد تجاوز 90 نقطة. أما الآن، فلم يصل الفريق لأي نصف نهائي هذا الموسم، ويتخلف بفارق 20 نقطة كاملة عن الصدارة. والآن، كما أشار صلاح ضمنياً، يتعين على الفريق الفوز على برينتفورد لضمان التأهل لدوري أبطال أوروبا الموسم المقبل كحد أدنى.
الوداع الأخير أمام برينتفورد ومصير سلوت
من المرجح أن يتحلى سلوت بالدبلوماسية ويتفق مع حقيقة أن هذا الموسم لم يكن جيداً بما فيه الكفاية، متفادياً الدخول في حرب كلامية مع صلاح. وكان الجناح المصري قد تم استبعاده لمباراة واحدة سابقاً بعد مقابلته النارية في ليدز، ولكن من المستبعد جداً أن يُعاقب بالاستبعاد من مباراة برينتفورد القادمة، والتي ستكون الأخيرة له بقميص ليفربول على ملعب أنفيلد. في إيلاند رود سابقاً، صرح صلاح بأنه تم "إلقاؤه تحت عجلات الحافلة"، مقدماً مدربه ككبش فداء، والآن جاء انتقاده غير مباشر ولكنه لا يقل قسوة.
أمضى سلوت الأشهر الماضية في الإشادة بصلاح ومحاولة احتواء الموقف، وربما كان يخفي مشاعره الحقيقية تجاه النجم المصري. لكن المدرب الذي واجه صيحات استهجان عارمة من الجماهير عندما تجرأ على استبدال الشاب ريو نغوموها أمام تشيلسي، يدرك تماماً حجم الغضب الجماهيري الذي سينفجر في وجهه إذا حرم الجماهير من وداع تاريخي لصلاح في أنفيلد. وفي ظل العقم الهجومي الذي عانى منه الفريق مؤخراً، قد يكون سلوت في أمس الحاجة لخدمات النجم المصري على أرض الملعب. ولكن في الموسم المقبل، ومع افتراض بقاء سلوت ورحيل صلاح، فإن هذا التقييم القاسي للنجم المصري قد يُستغل مجدداً ضد المدرب الهولندي، ليتضح حينها ما إذا كان رحيل صلاح سيحل بعض المشكلات أم سيزيدها تفاقماً.

