غيب الموت أحد أكثر الشخصيات إثارة للجدل في تاريخ كرة القدم الإنجليزية الحديث، برحيل كين بيتس، المالك السابق لناديي تشيلسي وليدز يونايتد، عن عمر يناهز 94 عاماً. وقد كان بيتس رجل أعمال وإدارياً بارزاً، لم يغب يوماً عن العناوين الرئيسية للصحف طوال 48 عاماً قضاها في عالم الساحرة المستديرة، حيث انقسمت الآراء حوله بين محب ومبغض، نظراً لأسلوبه الهجومي وتصريحاته النارية التي لم توفر أحداً.
شراء تشيلسي بجنيه واحد وثورة ستامفورد بريدج
خلال 21 عاماً قضاها كرئيس لنادي تشيلسي، نجح كين بيتس في تحويل النادي من فريق يقبع في دوري الدرجة الثانية ويلعب على ملعب متهالك، إلى قوة ضاربة في الدوري الإنجليزي الممتاز. قام بيتس بإعادة بناء ملعب ستامفورد بريدج الشهير وتأسيس مجمع قرية تشيلسي (Chelsea Village)، قبل أن يبيع النادي للملياردير الروسي رومان أبراموفيتش في عام 2003، وهي الصفقة التي مهدت لعصر تشيلسي الذهبي الحديث.
ولعل أبرز إنجازات بيتس التاريخية هي تأسيس جمعية ملاك أرضية ملعب تشيلسي (Chelsea Pitch Owners) لحماية النادي من مطامع المطورين العقاريين وضمان بقاء الفريق في معقله التاريخي للأبد. كما عُرف بدفاعه المستمر عن حقوق الأندية الصغيرة، حيث قاد حملات لمنح أندية الدرجات الدنيا حصة أكبر من عائدات البث التلفزيوني للدوري الممتاز.
حقبة ليدز يونايتد والصراعات المستمرة
على النقيض من نجاحه الباهر في لندن، شهدت فترة ولايته التي استمرت ثماني سنوات كمالك لنادي ليدز يونايتد (2005-2013) إخفاقات كبيرة وجدلاً واسعاً. عجز بيتس عن تكرار إنجازاته مع البلوز، وغادر النادي بعد أن صنع أعداءً أكثر بكثير من الأصدقاء. اتُهم بالقيام بصفقات غامضة عبر شركات خارجية، وخاض معارك قضائية طويلة، من أبرزها قضية التحرش والمضايقة التي رفعها ضده المدير السابق ميلفين ليفي وزوجته وكسباها.
وفي عهده، دخل ليدز يونايتد تحت الوصاية القضائية بسبب الأزمات المالية، وهبط الفريق إلى دوري الدرجة الثالثة للمرة الأولى في تاريخه العريق، مما جعله في حرب مستمرة مع الجماهير الغاضبة التي طالبت برحيله، حتى باع النادي في النهاية لبيت التمويل الخليجي في عام 2013 مقابل 22 مليون جنيه إسترليني.
مواقف مثيرة للجدل والسياج الكهربائي
عُرف كين بيتس بأساليبه غير التقليدية وصراعاته العنيفة؛ ففي الثمانينيات، وفي محاولة منه للحد من شغب الملاعب (الهوليغانز) الذي كان يهدد تشيلسي، قام ببناء سياج كهربائي حول أرضية ملعب ستامفورد بريدج، إلا أن المجلس المحلي منعه من تشغيل الكهرباء فيه لدواعٍ أمنية.
وفي عام 1997، عينه الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم رئيساً لشركة ملعب ويمبلي الوطني للإشراف على خطة إعادة بناء الملعب التاريخي. لكنه استقال لاحقاً وسط خلافات حادة واتهامات متبادلة، ووصل به الأمر إلى إطلاق تصريحه الشهير والصادم بأن أفضل طريقة لتسريع مشروع ويمبلي هي إطلاق النار على وزيرة الرياضة آنذاك كيت هوي.
رحلة العصامية من الفقر إلى الملايين
ولد كينيث ويليام بيتس في لندن في 4 ديسمبر 1931، ونشأ في ظروف صعبة حيث تولى جداه تربيته في مجمع سكني حكومي بإيلينغ بعد وفاة والدته وهجر والده له. كما ولد بقدم مشوهة استدعت إجراء عمليات جراحية عديدة. بدأ مسيرته العملية في مانشستر ونجح في بناء إمبراطورية تجارية ضخمة بدأت من قطاع الأسمنت الجاهز ومزارع الألبان، ثم توسعت لتشمل قطاع السكر في أستراليا والتطوير العقاري في جنوب إفريقيا، ليشتري أول سيارة بنتلي له وهو في سن الثالثة والعشرين.
حقق بيتس ملايين الدولارات من مشروع بناء في جزر العذراء البريطانية في أوائل السبعينيات، وأسس بنك إيريش ترست (Irish Trust Bank) في إيرلندا، والذي أُلغيت رخصته لاحقاً بعد تحقيقات مالية معقدة. وقبل شرائه تشيلسي الشهير بجنيه واحد عام 1982، كان قد ترأس نادي أولدهام لسنوات وشارك في ملكية ويغان.
النهاية والرحيل الهادئ في موناكو
بعد بيع ليدز يونايتد عام 2013، اختار بيتس الابتعاد عن صخب الإعلام والحياة العامة، وقرر التقاعد في منزله بإمارة موناكو، التي تعتبر ملاذاً ضريبياً. وتشير التقارير إلى أنه أمضى سنواته الأخيرة مع زوجته الثالثة سوزانا في كتابة سيرته الذاتية، وهي المذكرات التي يرى الناشرون أنها قد تمثل حقل ألغام قانوني نظراً لحجم الأسرار والصراعات التي خاضها هذا الرجل الاستثنائي طوال حياته.

