بدأت ملامح الحقبة الجديدة لمنتخب إنجلترا تحت قيادة المدرب الألماني توماس توخيل تتضح بشكل ملموس، حيث بدت الابتسامات والروح الإيجابية واضحة في معسكر "الأسود الثلاثة" استعداداً للاستحقاقات الكبرى. وعقب الحصص التدريبية الأولى لتوخيل، جاء تقييم أحد اللاعبين فورياً وموجزاً: "هكذا يجب أن تبدو بيئة النخبة". ورغم الاحترام الكبير الذي يكنّه اللاعبون للمدرب السابق غاريث ساوثجيت، إلا أن الجميع شعروا بأن أسلوب توخيل التدريبي يقترب كثيراً مما اعتادوا عليه في أنديتهم الكبرى، حيث ظهر النظام التكتيكي أكثر تعقيداً وعمقاً، مع التركيز على التحركات الثلاثية المترابطة والضغط الجماعي المنظم.
أجواء النخبة وإثارة البدايات
في معسكر المنتخب الإنجليزي بمدينة كانساس سيتي الأمريكية، بدا توماس توخيل مستمتعاً للغاية بالحصص التدريبية ومتحمساً للمؤهلات الفنية والبدنية الهائلة التي يمتلكها لاعبوه. كان يتحرك بنشاط وحيوية بين اللاعبين، وتزداد وتيرة حماسه مع اقتراب المباراة الافتتاحية المرتقبة ضد كرواتيا في دالاس. هذا الشغف الكبير هو ما دفع المدرب الألماني للتوقيع سريعاً على عقد يمتد حتى يورو 2028، مما يثبت أن مجيئه لا يقتصر فقط على المنافسة في نهائيات كأس العالم الحالية، بل يمتد لبناء مشروع طويل الأمد.
التحدي الأكبر و"المهمة المستحيلة"
قد يحذر بعض أسلاف توخيل في تدريب إنجلترا من أن الأجواء الإيجابية الحالية قد تعود لكونه يختبر الجانب المشرق فقط من الوظيفة حتى الآن. فحتى الانتقادات التي تلت الهزيمة أمام السنغال بنتيجة 3-1 الصيف الماضي لم تكن شبيهة بما يحدث في البطولات الكبرى عند الإخفاق. وقد وصف السير ألف رامسي، المدرب الوحيد الذي قاد إنجلترا للتتويج بكأس العالم عام 1966، هذا الشعور بـ "وحدة قاتلة" ترافق مدرب إنجلترا، مشيراً إلى أن التاريخ دائماً ما يكون مراقباً، وتحديداً خلال نهائيات المونديال.
ولا يحتاج المتابعون للتذكير بالقصص التاريخية المؤلمة لمدربي إنجلترا السابقين، مثل السخرية من غراهام تايلور أو اعتراف كيفن كيغان العاطفي بعدم أهليته للمنصب. لكل هذه الأسباب، عُرفت هذه الوظيفة دائماً بـ "المهمة المستحيلة" في كرة القدم، ومن المفارقات الساخرة أن تصبح اليوم بمثابة وظيفة الأحلام لمدرب ألماني يطمح لكتابة التاريخ مع الأسود الثلاثة.
عشق إنجليزي ولد في لندن
يرتبط توخيل بعلاقة عاطفية خاصة مع إنجلترا بدأت منذ توليه تدريب نادي تشيلسي في عام 2021. ويتذكر بابتسامة مبارياته الأولى في الدوري الإنجليزي في الملاعب الخالية بسبب جائحة كورونا، وكيف كان يستمع لكل تفاصيل توجيهات المدربين على أرض الملعب، ومنها صراخ كريس وايلدر مدرب شيفيلد يونايتد للاعبه أوليفر بيرك. تلك التفاصيل البسيطة جعلت الألماني يقع في حب كرة القدم الإنجليزية الحقيقية.
وعقب رحيله عن ستامفورد بريدج في سبتمبر 2022، قرر توخيل أنه لا يريد تكرار نفس الدورة التدريبية مع الأندية الأوروبية العملاقة، وكان يفضل البقاء قريباً من أجواء البريميرليغ. ولذلك, عندما تواصل معه الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم في سبتمبر 2024، تفاجأ بالطلب ولكنه سرعان ما أدرك أن تدريب المنتخب هو الخيار المثالي الذي كان يبحث عنه دون أن يشعر.
أسلوب حياة لندني بلمسة هادئة
يعتبر توماس توخيل مدينة لندن بمثابة موطنه الثاني، حيث يستمتع بحياته اليومية فيها بشكل طبيعي. ويُشاهد المدرب الألماني بانتظام وهو يتجول في شوارع لندن على دراجة "لايم" الهوائية، متوجهاً إلى مطاعمه المفضلة في حي سوهو الشهير. ورغم اهتمامه بصحته وقلة شربه للخمور، إلا أنه لا يمانع في الاحتفال بالمناسبات الخاصة مثل أعياد الميلاد بطرق بسيطة، كعكة اليرقة "كولين" المفضلة لديه.
وإلى جانب البساطة في حياته الخاصة، يحرص توخيل على الانفتاح الثقافي وبناء علاقات مع قادة في مجالات مختلفة لمناقشة كيفية إدارة الفرق بكفاءة. وهو من أشد المعجبين بأعمال الكاتب الشهير سايمون سينك، وخاصة مفهوم "وضوح الهدف". وبالنسبة لتوخيل، لا يوجد هدف أكثر وضوحاً في عالم الساحرة المستديرة من الفوز بكأس العالم، وهو الشغف الذي يسعى لغرسه في نفوس لاعبيه بقيادة النجم هاري كين.
المدرب الأجنبي والتركيز التام على اللقب
على الرغم من الجدل الدائم حول مدى ملاءمة إسناد تدريب منتخب عريق مثل إنجلترا لمدرب أجنبي، إلا أن هذا الجانب تحديداً يمثل سر نجاح توخيل وسعادته بالمنصب. فهو متحرر تماماً من المسؤوليات الوطنية الأوسع أو المعاني العميقة والمعقدة التي ترتبط بكرة القدم الإنجليزية تاريخياً وسياسياً. بالنسبة لتوخيل، الأمر لا يتعلق برسالة وطنية كما كان الحال مع ساوثجيت، بل هو ببساطة يرى تشكيلة مليئة بالمواهب الاستثنائية، ولديه فرصة ذهبية لقيادتهم نحو التتويج بأغلى الألقاب العالمية، بعيداً عن صراعات الأندية الإنجليزية وضغوطاتها اليومية.
