مع اقتراب انطلاق نهائيات كأس العالم 2026 لكرة القدم، التي ينتظرها الملايين من عشاق الساحرة المستديرة حول العالم هذا الصيف، بدأ المسؤولون الحكوميون وخبراء الصحة العامة في مراقبة المخاطر الصحية المحتملة عن كثب. وتتزايد المخاوف بشأن انتشار الأمراض المعدية في الملاعب المزدحمة، والارتفاع القياسي لدرجات الحرارة أثناء المباريات، بالإضافة إلى تحديات الحفاظ على معايير سلامة الأغذية للأعداد الغفيرة من الزوار.
وفي هذا السياق، صرح جاي بهاتاشاريا، المدير المؤقت لمراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها (CDC)، قائلاً: "بالطبع، في أي وقت يسافر فيه هذا العدد الهائل من الأشخاص، هناك دائماً احتمالية لظهور فاشيات مرضية مختلفة. لكن المخاطر لا تختلف عما كانت عليه في بطولات كأس العالم الأخرى التي أدرناها بنجاح. وتمتلك الولايات المتحدة أنظمة قائمة لضمان الاستجابة المناسبة في حال حدوث أي طارئ".
وتقام البطولة الأبرز عالمياً في الفترة من 11 يونيو إلى 19 يوليو، وتستضيفها 16 مدينة في الولايات المتحدة والمكسيك وكندا، حيث يتنافس 48 منتخباً في 104 مباريات (رقم قياسي). ووفقاً للاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، فقد تم بيع خمسة ملايين تذكرة بالفعل. وفيما يلي نظرة تفصيلية على المخاطر الصحية المحتملة والإجراءات الوقائية التي يمكن للجماهير اتخاذها.
الإنفلونزا والحصبة والأوبئة المعدية
قد يسهم التقارب الوثيق بين آلاف المشجعين من مختلف أنحاء العالم في زيادة فرص انتقال الأمراض المعدية. وأوضح آندي بيكوش، أستاذ علم الأحياء الدقيقة الجزيئي وعلم المناعة في جامعة جونز هوبكنز، أن المجتمع الطبي في المدن المستضيفة يستعد لهذا التحدي منذ فترة، مشيراً إلى وجود عدوى نشطة تنتشر حالياً في بلدان أخرى.
وقال بيكوش: "المثال الأبرز هو الإنفلونزا التي تنتشر حالياً في بعض دول نصف الكرة الجنوبي (أمريكا الجنوبية)، وبالتالي قد ينقلها بعض المشجعين المصابين إلى دول الاستضافة الثلاث. ومع ذلك، فإن الظروف البيئية في الصيف لا تسهل انتشار الإنفلونزا بشكل كبير هناك، لذا لا أتوقع تفشياً واسعاً لها".
وفي المقابل، يبدو القلق أكبر تجاه مرض الحصبة بسبب سرعة انتشاره وفترة حضانته الطويلة. وطبقاً لبيانات مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها، فقد تم الإبلاغ عن نحو 2000 حالة إصابة بالحصبة في الولايات المتحدة هذا العام حتى 21 مايو. وتشير أبحاث جامعة هارفارد إلى تسجيل 3564 حالة منذ يناير 2025، وهو أكبر تفشٍ للمرض منذ عقود، عازيةً ذلك إلى تراجع معدلات التطعيم بين الأطفال في السنوات الأخيرة.
من جهة أخرى، طمأنت مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها الجمهور بأن خطر فيروس "الهانتا" القاتل لا يزال "منخفضاً للغاية"، وذلك بعد رصد بؤرة إصابة نادرة مرتبطة بسفينة سياحية هولندية في المحيط الأطلسي أدت إلى وفاة ثلاثة أشخاص. كما فرضت السلطات قيوداً وفحوصات سفر إضافية لمنع تسرب فيروس إيبولا المنتشر في جمهورية الكونغو الديمقراطية، مؤكدة أن خطر انتشاره على نطاق واسع في الولايات المتحدة يبقى ضئيلاً.
التهديد الحراري والإجهاد الناتج عن الطقس القاسي
تعد موجات الحر الشديدة من أبرز المخاطر المرصودة، خاصة وأن البطولة ستقام في ذروة الصيف وفي مدن تشهد مناخاً حاراً للغاية. ففي هيوستن وميامي، يبلغ متوسط درجات الحرارة العظمى في يونيو منتصف الثمانينات بالفهرنهايت (حوالي 29-30 درجة مئوية)، بينما ترتفع درجات الحرارة في مدينة مونتيري المكسيكية لتتجاوز منتصف التسعينات بالفهرنهايت (أكثر من 35 درجة مئوية).
وأشار كريستوفر أوجيو، البروفيسور في جامعة ولاية فلوريدا المتخصص في الصحة البيئية، إلى أن التعرض للحرارة سيكون كافياً لزيادة مخاطر المشاكل الصحية في العديد من الملاعب. وأضاف: "حتى مع وجود أنظمة تكييف وتحكم بالمناخ في بعض الملاعب، فإن المشجعين قد يواجهون مخاطر الإجهاد الحراري أثناء الانتظار في طوابير طويلة خارج الملاعب".
ونصح أوجيو الجماهير باتخاذ تدابير وقائية صارمة، مثل الحفاظ على ترطيب الجسم وشرب المياه باستمرار، والحد من تناول المشروبات الكحولية، واستخدام واقي الشمس، والبحث عن أماكن مظللة أو باردة فور الشعور بأعراض مثل التشنجات العضلية، الغثيان، الدوار، أو التعرق المفرط.
رقابة صارمة على سلامة الأغذية
تمثل سلامة الغذاء محوراً آخر للمتابعة والرقابة المستمرة في المدن المستضيفة بالولايات المتحدة. فقد تم توجيه مفتشي الأغذية في ولاية جورجيا للقيام بجولات تفتيشية واسعة تشمل المطاعم، وعربات الطعام المتنقلة، وحتى الأكشاك المؤقتة لضمان الالتزام بالمعايير الصحية المطلوبة.
وأوضح براندون لفتويتش، مدير الصحة البيئية في مقاطعة فولتون، أنه يتم التحقق من وجود حواجز وقائية مناسبة حول مناطق إعداد الطعام، مع فرض رقابة صارمة على درجات حرارة تخزين الأطعمة لمنع نمو وانتشار البكتيريا الضارة التي قد تسبب حالات تسمم جماعية بين المشجعين.

