غادر كريستيانو رونالدو معسكر تدريب المنتخب البرتغالي هذا الأسبوع في مشهد أثار موجة غضب عارمة، ولم يعد مستغرباً إلا أن البعض ما زال يشعر بالمفاجأة! فقد وثّقت عدسات الصحف البرتغالية الكبرى، وعلى رأسها "أبولا" و"ريكورد"، لحظة خروج النجم صاحب الـ41 عاماً من استاد "باركن" في كبنهاغن ممتطياً سيارة تابعة للاتحاد البرتغالي، وذلك بعد دقائق معدودة من تصريحات المدرب جورجي جيسوس أمام وسائل الإعلام والتي أكد فيها أن رونالدو سيتدرب بشكل طبيعي.
ووصف صحيفة "ريكورد" هذا التصرف بـ "جذر الزلزال الداخلي" الذي يضرب صفوف المنتخب البرتغالي، بعدما تغيب رونالدو عن تدريبين جماعيين سابقين ليكتفي بالتدرب منفرداً في صالة الألعاب الرياضية دون وجود أي إصابة طبية تبرر ذلك، مكتفياً ببيان رسمي يدّعي أن "صالة الألعاب الرياضية بالملعب تفتقر إلى المعدات اللازمة لبرنامجه التدريبي الخاص". وفي العالم التنافسي الشرس لكرة القدم الدولية، لم يكن هذا التصرف دليلاً على القيادة، بل كان الفصل الأحدث، وربما الأخير، لشخص يضع نفسه دائماً في المقام الأول قبل المجموعة.
إنذار أخير وتصعيد خلف الكواليس
حاول المدرب جورجي جيسوس يوم الأربعاء امتصاص الغضب علناً، مؤكداً أنه "لا يوجد شيء للحديث عنه". لكن قائد الفريق البالغ من العمر 41 عاماً امتنع عن الانصياع وغادر المعسكر بسيارة الاتحاد. لاحقاً، اضطر جيسوس للاعتراف بما حدث بالفعل خلف الأبواب المغلقة؛ حيث وجّه له رونالدو إنذاراً شديد اللهجة قائلاً: "إذا كنت تريد مني أن أجلس في المدرجات، فسأرحل". لم يكن هذا مجرد تباين في الآراء الفنية بين لاعب ومدربه، بل كان إنذاراً قاطعاً يأتي بعد أيام قليلة من المؤتمر الصحفي الذي اتهم فيه رونالدو وسائل الإعلام بمحاولة "قتله" لسنوات، مهدداً بالرحيل "اليوم" إن كان جيسوس لا يرغب بوجوده.
إن مغادرة معسكر المنتخب الوطني في منتصف المهمة بسبب الاعتراض على قرارات المدرب تُعد "خطأً جسيماً" في رياضة جماعية. لقد قضى رونالدو عقدين من الزمن يطالب بأن يكون البطل المطلق للقصة، وعندما تعرضت هذه المكانة للتهديد باستبعاده وجلوسه على مقاعد البدلاء لمدة 90 دقيقة أمام النرويج، اختار مقعد السيارة على البقاء مع زملائه.
سلسلة متصلة من الأزمات المسرحية
هذه الحادثة ليست وليدة اللحظة، بل تندرج ضمن سجّل طويل ومستمر من السلوكيات الفردية. ففي كأس العالم 2022، دخل رونالدو في مناوشات مع لاعب جنوب إفريقيا تشو غو-سونغ وأثار غضب المدرب فرناندو سانتوس بسبب رد فعله الغاضب أثناء استبداله، ليمضي المباراتين التاليتين على مقاعد البدلاء. وعقب الخروج أمام إسبانيا في مونديال 2010، وعندما سُئل عن أسباب الخسارة، رد بجفاء: "اسألوا كارلوس كيروش". وفي يورو 2016، ألقى بميكروفون أحد الصحفيين في البحيرة لمجرد طرح سؤال حول المباراة التالية. وفي عام 2021، بعد إلغاء هدفه ضد صربيا، ألقى بشارة القيادة على الأرض وغادر الملعب قبل صفارة النهاية. النمط واحد في كل مرة: عندما لا تسير الأمور كما يشتهي رونالدو، تكون ردة الفعل درامية وشديدة الأنانية.
محطات بارزة في أزمات رونالدو مع المنتخب
| العام | الحدث / المناسبة | رد فعل رونالدو والسلوك الصادر عنه |
|---|---|---|
| 2010 | الخروج من مونديال جنوب إفريقيا أمام إسبانيا | التهرب من المسؤولية وتوجيه اللوم للمدرب قائلاً: "اسألوا كيروش". |
| 2016 | مؤتمر صحفي خلال بطولة يورو 2016 | إلقاء ميكروفون المراسل في البحيرة بسبب سؤال صحفي. |
| 2021 | تصفيات كأس العالم أمام صربيا | خلع شارة القيادة وإلقاؤها على الأرض والمغادرة قبل نهاية اللقاء. |
| 2022 | مونديال قطر عند الاستبدال أمام كوريا الجنوبية | الاعتراض العلني وإغضاب فرناندو سانتوس مما أدى لجلوسه بديلاً. |
| 2026 | معسكر المنتخب في كبنهاغن بعد مباراة النرويج | مغادرة المعسكر بسيارة الاتحاد وتقديم ألتيماتوم للمدرب جيسوس. |
فصل المال وتحديات الدوري السعودي
بدأ تراجع الاحترام لدى قطاع واسع من الجماهير في اللحظة التي وقف فيها رونالدو أمام الكاميرات، عقب توقيعه عقداً بـ 200 مليون دولار سنوياً، ليصرّ على أن الدوري السعودي هو منافسة من بين أفضل 5 دوريات في العالم، بدلاً من الاعتراف بأنه عقد مالي ضخم. وتكرر تصريحه أكثر من مرة: "وحدهم من لم يملكوا تجربة اللعب في السعودية هم من لا يفهمون شيئاً في كرة القدم". السعي خلف العقود الاستثمارية أمر مشروع ومفهوم، لكن ادعاء التنافسية الرياضية الصرفة أثناء تقاضي أحد أضخم العقود في تاريخ الرياضة كان بمثابة استخفاف بعقول المتابعين ضرب الرواية الرياضية النقية في مقتل.
التباين المؤلم مع ميسي: الفارق في الشخصية
في غضون أيام قليلة، سيتلقى ليونيل ميسي وداعاً رسمياً وعاطفياً يليق بمكانته من الجماهير الأرجنتينية، وداعاً يعكس مسيرة بنيت على الإنجاز الجماعي والتقدير المتبادل. في المقابل، لن يحصل رونالدو أبداً على هذا الوداع المثالي من البرتغال، والمسؤولية كاملة تقع على عاتقه. إن سجله التهديفي المرعب بـ 146 هدفا دولياً و234 مباراة استثنائي ويستحق كل التقدير التاريخي، لكن الإعجاب لا يمنح بشكل أوتوماتيكي عندما يكون الفصل الأخير عبارة عن انسحاب وغضب.
تخيل لو أن رونالدو وقف هذا الأسبوع وأعلن جاهزيته للتدرب، وتوجيه اللاعبين الشباب، وقبول أي دور يحدده جيسوس لمصلحة البرتغال وسعيها للنجاح، مفضلاً المصلحة العامة على مطاردته الفردية للوصول إلى الهدف رقم 1000 في مسيرته. لو فعل ذلك لاكتسب احتراماً أبديًا لا يزول. لكن الصورة انطبعت بأن الفريق بأكمله موجود فقط ليخدم روايته الشخصية. كرة القدم رياضة جماعية، ورونالدو تعامل مع مرحلتها الأخيرة وكأنها مشروع فردي. لقد كان الفارق الرقمي بينه وبين ميسي قريباً دائماً، أما الفارق في الشخصية والانضباط، فقد أصبح اليوم فجوة لا يمكن إغفالها.


