الأسطورة يواصل كتابة التاريخ في ليلة العبور للنهائي
أمضى ليونيل ميسي ما يقرب من عقدين من الزمن في تحويل أكبر لحظات كرة القدم إلى فصول في كتاب تاريخه الخاص، ولم تكن ليلة الأربعاء استثناءً. فمع بقاء حلم الأرجنتين في الدفاع عن لقب كأس العالم على المحك، ظهر ميسي ليصنع التمريرة الحاسمة التي قادت حاملي اللقب إلى فوز دراماتيكي مثير بنتيجة 2-1 على إنجلترا، مما أرسل 'الألبيسيليستي' إلى نهائي كأس العالم يوم الأحد المقبل لمواجهة نارية مرتقبة ضد إسبانيا.
لكن هذه اللحظة حملت أهمية تاريخية تتجاوز مجرد التأهل؛ فوفقاً لإحصائيات شبكة 'ESPN'، أصبح ميسي يملك الآن أربع تمريرات حاسمة في الأدوار الإقصائية لكأس العالم، ليعادل بذلك الرقم القياسي للأسطورة البرازيلية بيليه والنجم الفرنسي أنطوان غريزمان كأكثر اللاعبين صناعة للأهداف في هذه الأدوار المتقدمة على مدار الستين عاماً الماضية.
ميسي يفرض كلمته في الأوقات الحاسمة
بدت إنجلترا في طريقها لإنهاء انتظار دام 60 عاماً للوصول إلى نهائي كأس العالم، خاصة بعد أن تقدمت بهدف الجناح أنتوني غوردون في الدقيقة 55، مانحاً فريق المدرب الألماني توماس توخيل السيطرة على مجريات نصف النهائي. ومع ذلك، لم يستسلم المنتخب الأرجنتيني وواصل الضغط بكبرياء الأبطال.
وجاء الفرج للأرجنتين في الدقيقة 87 عندما أطلق إنزو فرنانديز تسديدة أرضية زاحفة سكنت شباك الحارس جوردان بيكفورد، ليعيد الأمور إلى نقطة الصفر وينقل الزخم الهجومي بالكامل لصالح الأرجنتين. وبعد خمس دقائق فقط، صنع ميسي اللقطة التي ستظل خالدة في أذهان عشاق المونديال.
فعندما استلم النجم البالغ من العمر 39 عاماً الكرة بالقرب من خط التماس الأيمن، وجد نفسه وجهاً لوجه مع المدافع الإنجليزي دجيد سبينس، ليتجاوزه ببراعة وسلاسة معهودة. وبدلاً من التسديد من زاوية صعبة، أرسل ميسي عرضية متقنة ومقوسة بدقة متناهية تخطت بيكفورد نحو القائم البعيد، حيث ارتقى لاوتارو مارتينيز دون رقابة ليوجه الكرة برأسه داخل الشباك في الوقت بدل الضائع من الشوط الثاني محرزاً هدف الفوز الثمين.
كانت هذه التمريرة تجسيداً كلاسيكياً لعبقرية ميسي؛ فلم تعتمد على السرعة أو القوة البدنية، بل على التوقيت المثالي، والرؤية الثاقبة، وفهم المساحات الذي لا يزال يميزه عن أي لاعب آخر في جيله.
رقم قياسي جديد وموعد مع نهائي آخر
يضع هذا الإنجاز الأخير ميسي إلى جانب اسمين من أعظم أساطير كرة القدم الدولية؛ البرازيلي بيليه الذي أبهر العالم في الحقبة الذهبية لمنتخب 'السامبا'، وأنطوان غريزمان الذي كان العقل المفكر لمنتخب فرنسا في رحلتيه للوصول إلى نهائي كأس العالم عامي 2018 و2022. والآن، يتقاسم ميسي هذا الرقم القياسي مع مواصلة تعزيز مسيرته التي يرى الكثيرون أنها غير قابلة للتكرار.
وعلى عكس العديد من عظماء اللعبة عبر التاريخ، لم يقتصر تأثير ميسي يوماً على تسجيل الأهداف فقط؛ ففي مواجهة إنجلترا، كان صبره في انتظار زاوية التمرير المناسبة، وهدوؤه الاستثنائي تحت الضغط، وتنفيذه الخالي من العيوب، هي العوامل الحاسمة التي حسمت بطاقة التأهل للنهائي. لقد وجد المنتخب الأرجنتيني مراراً وتكراراً الحلول في اللحظات الأخيرة من هذا المونديال، ومرة أخرى، جاء الحل عن طريق القائد التاريخي.
خطوة واحدة تفصل ميسي عن المجد الأكبر
تمنح المباراة النهائية يوم الأحد ضد إسبانيا فرصة ذهبية للأرجنتين للدفاع عن تاجها المونديالي وترسيخ مكانتها كواحدة من أعظم الحقب الكروية في تاريخ البلاد. كما أنها تمنح ميسي فرصة إضافية لتوسيع إرثه الرياضي الذي بات من الصعب قياسه بلغة الأرقام والإحصائيات وحدها.
ومع ذلك، تظل الأرقام تطارده أينما حل؛ فأربع تمريرات حاسمة في الأدوار الإقصائية لكأس العالم هي الحصيلة الأكبر لأي لاعب في العقود الستة الماضية. ومع بقاء مباراة واحدة متبقية في البطولة، لا يزال أمام ميسي الفرصة لوضع بصمة أكثر عمقاً في تاريخ المونديال.

